فخر الدين الرازي
63
تفسير الرازي
ثم إنه ما أظهر البتة ، تغليظا في القول ، ولا خشونة في الكلام ، علموا أن هذا لا يتأتى الا بتأييد رباني وتسديد إلهي ، فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد والتسديد ، فقيل : فبأي رحمة من الله لنت لهم ، وهذا هو الأصوب عندي . المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الآية دلت على أن رحمة الله هي المؤثرة في صيرورة محمد عليه الصلاة والسلام رحيما بالأمة ، فإذا تأملت حقيقة هذه الآية عرفت دلالتها على أنه لا رحمة الا لله سبحانه ، والذي يقرر ذلك وجوه : أحدها : أنه لولا أن الله ألقى في قلب عبده داعية الخير والرحمة واللطف لم يفعل شيئاً من ذلك ، وإذا ألقى في قلبه هذه الداعية فعل هذه الأفعال لا محالة ، وعلى هذا التقدير فلا رحمة إلا لله : ان كل رحيم سوى الله تعالى فإنه يستفيد برحمته عوضا ، اما هربا من العقاب ، أو طلبا للثواب ، أو طلبا للذكر الجميل ، فإذا فرضنا صورة خالية عن هذه الأمور كان السبب هو الرقة الجنسية ، فان من رأى حيوانا في الألم رق قلبه ، وتألم بسبب مشاهدته إياه في الألم ، فيخلصه عن ذلك الألم دفعا لتلك الرقة عن قلبه ، فلو لم يوجد شيء من هذه الاعراض لم يرحم البتة ، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الذي يرحم لا لغرض من الأغراض ، فلا رحمة إلا لله ، وثالثها : ان كل من رحم غيره فإنه إنما يرحمه بأن يعطيه مالا ، أو يبعد عنه سببا من أسباب المكروه والبلاء ، إلا أن المرحوم لا ينتفع بذلك المال إلا مع سلامة الأعضاء ، وهي ليست إلا من الله تعالى ، فلا رحمة في الحقيقة إلا لله ، وأما في الظاهر فكل من أعانه الله على الرحمة سمي رحيما ، قال عليه السلام : " الراحمون يرحمهم الرحمن " وقال في صفة محمد عليه السلام : * ( بالمؤمنين رؤوف رحيم ) * ( التوبة : 128 ) ثم قال تعالى : * ( ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ) * . واعلم أن كمال رحمة الله في حق محمد صلى الله عليه وسلم أنه عرفه مفاسد الفظاظة والغلظة وفيه مسائل . المسألة الأولى : قال الواحدي : رحمه الله تعالى : الفظ ، الغليظ الجانب السيء الخلق ، يقال : فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ ، وأصله فظظ ، كقوله : حذر من حذرت ، وفرق من فرقت ، الا أن ما كان من المضاعف على هذا الوزن يدغم نحن رجل صب ، وأصله صبب ، وأما " الفض " بالضاد فهو تفريق الشيء ، وانفض القوم تفرقوا ، قال تعالى : * ( وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ) * ( الجمعة : 11 ) ومنه : فضضت الكتاب ، ومنه يقال : لا يفضض الله فاك . فان قيل : ما الفرق بين الفظ وبين غليظ القلب ؟ قلنا : الفظ الذي يكون سئ الخلق ، وغليظ القلب هو الذي لا يتأثر قلبه عن شيء ، فقد